قصتي مع المفكرة 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سأقص عليكم اليوم قصتي مع المفكرة، وكيف بدأت بها حتى توطدت علاقتي بها، وكيف أصبحت أحبها لدرجة شديدة جعلتني أكرس لها مدونة خاصة.

في الحقيقة، رغم أنني أحب التنظيم، وأحب أن أقرأ عنه كثيراً، إلا أنني إنسانة فوضوية في الواقع في كل أمور حياتي.

ولهذا كان احتياجي للمفكرة احتياجاً ضرورياًّ، كحاجتي للحركة أو الرياضة، يؤثر على كثير من جوانب حياتي بشكل مباشر أو غير مباشر.

كانت بدايتي عندما كنت طالبة في المدرسة، فقد كانت أمي تشتري لنا كل سنة “مذكرة الواجبات المدرسية” مع دفاترنا الدراسية المطلوبة منا، رغم أنها لم تكن ضرورية. وكنت أتحمس في الكتابة فيها، خاصة في بداية السنة، لكني كنت أقصر معها أغلب الأحيان، أظن بأن السبب في ذلك هو قلة التوعية بشأن التنظيم وعدم دعم المجتمع لذلك.

أيضاً، لم تكن تصاميمها تعجبني كثيراً، وحجمها كان كبيراً عليّ، (فأنا أحب الدفاتر الصغيرة).

مذكرة الواجبات المدرسية روكو من مكتبة جرير

عندما وصلت الخامسة عشرة من عمري، اشترت لي أمي -جزاها الله خيراً- مذكرة جديدة، لكنها كانت أصغر حجماً من سابقاتها، وكانت باللون الأحمر والذي هو لوني المفضل.

كانت المذكرة مفيدة جداً، لأنها تحتوي على نصائح عن كيفية المذاكرة، والتعامل مع الإختبارات، ومعلومات أخرى كثيرة، وقد استفدت منها كثيراً، وتحمست لها بشدة، ورغم استهزاء زميلاتي وصديقاتي في المدرسة بمذكرتي تلك، إلا أن ذلك لم يثبطني.

أتمنى لو أنني احتفظت بها حتى الآن، لكنها للأسف قد ضاعت منذ زمن طويل، وأنا أفتقدها بشدة الآن، خاصة بعد أن عدت لحبي للمفكرات، لأني أعتبرها أول مفكرة لي.

بعد تلك المفكرة، لم أجد مثلها أبداً، فذهب حماسي، ونسيت أمر المفكرات، حتى وصلت إلى المرحلة الجامعية، وعندها احتجت إلى التنظيم، فقمت بتصميم صفحات أسبوعية بسيطة جداً على الحاسوب، وطبعتها على أوراق ملونة لتعجبني أكثر، ولكي أتشجع على استخدامها، ثم وضعتها في ملف صغير، لأستخدم كل أسبوع ورقة منها. أعجبت الفكرة بعضاً من زميلاتي، فطلبن مني صنع ما يماثلها لأجلهم، ففعلت، لكننا جميعاً لم نستمر عليها كثيراً.

بعد تخرجي من الجامعة، لم أمسك بالقلم كثيراً لفترة طويلة. كانت حياتي فوضوية جداًّ، ومليئة بالتسويف، والكسل والخمول. لم يكن لدي أهداف واضحة، وكنت أشعر بالضياع.

لكن بعد أن تزوجت، بدأت أحس بأنني أحتاج إلى شيء من التنظيم، خاصة بعد حملي وولادتي لابنتي الصغيرة، فقمت بتجربة تعليق الأوراق والملاحظات، ثم جربت شراء سبورة لكتابة مهامي وجدولي عليها، ولم ينجح شيء من ذلك، فقمت بتسجيل مهامي على هاتفي المحمول، واستخدمت بعض التطبيقات من غوغل للتنظيم، لكنها لم تنفعني إلا القليل.
لم أفكر باقتناء دفتر مفكرة، لأنني ظننت (ظناًّ خاطئاً بالطبع) بأن حياتي مملة وليست مهمة، ولا تستحق تكريس دفتر كامل لأجلها!

بعدها حدثت لنا أزمة مالية، وغرق زوجي في الديون، وشعرت بالحزن لأنني لا أستطيع مساعدته، فأنا لم أرد مغادرة البيت وترك زوجي وابنتي لأجل الوظيفة، لأني أعرف بأني سأهملهما بسبب الوظيفة، فأنا متشتتة التركيز دائماً.

وكذلك لأنني لم أشعر يوماً بأن الوظيفة تناسبني، ولم أرغب بها أبداً، رغم أنني أمتلك شهادة جامعية مؤهلة.

ولكن لدي هوايات كثيرة، كالكروشيه والخياطة، ففكرت بأن أنفع عائلتي الصغيرة بتلك الهوايات، فقررت فتح متجر الكتروني على موقع إتسي Etsy، وبدأت بصنع بطانيات وحقائب واكسسوارات وورود، وكل ما يخطر ببالي.

بعض من أعمالي بالكروشيه

كانت لدي أفكار كثيرة جداً بشأن متجري، لكني لاحظت بعد فترة بأن التجارة استحوذت على تفكيري ووقتي، فهي تتطلب الكثير من الجهد الذي لم أتصوره، من تصميم وصناعة البضائع، ثم تسعيرها وتصويرها وإدراجها على المتجر، ثم التسويق لها، وكذلك تخزينها في مكان آمن، وبعد بيعها، يجب عليّ تغليفها وشحنها، والتواصل مع الزبائن باستمرار. كل ذلك كان عليّ فعله لوحدي دون أي مساعدة! لأن زوجي كان مشغولاً دائماً، ولم يكن لديه الوقت الكافي ليساعدني.
لقد جعلتني التجارة أهمل زوجي وابنتي كثيراً، فبدأت أحس بالذنب حيال ذلك، وبدأت أشعر بالتوتر الشديد، وأدركت بأنني حقاً أحتاج إلى تنظيم وقتي.

أحتاج إلى مفكرة!

بدأت بالبحث عن مفكرات، فوجدتها جميعاً غالية السعر، فلم أستطع طلبها من زوجي، كي لا أثقل عليه، وربما كان ذلك أفضل لي، لأني أعرف الآن بأني لم أكن سأستمر عليها. لأنها لن تناسبني.

بعدها قررت أن أصنع مفكرتي بنفسي، وقمت بالبحث على الإنترنت عن أفكار لصنعها، حتى وجدت مصطلحاً متداولاً بين الناس الذين يصنعون مفكراتهم بأنفسهم، وهو: The Bullet Journal!

والتي سميتها بالمفكرة النقطية.

بدأت بهذا الدفتر المتواضع

هنا تبدلت حياتي من حال إلى حال، فبعد أن كنت أبحث عن مفكرة تنظم لي وقتي لأستطيع العمل على متجري فقط، أدركت من خلال استخدام المفكرة بأن كل جزء من حياتي هو مهم لي، مهما كان صغيراً تافهاً في نظر الغير، واكتشفت الكثير من الأمور عن نفسي، والتي لم أكن أعرفها من قبل (وما زلت أكتشف)، وبدأت أقدّر حياتي أكثر من قبل، وأشعر بقيمتها وأهميتها.

أدركت أيضاً بعد استخدام المفكرة بأن التجارة هكذا لا تصلح لي، وبأنها وظيفة في حد ذاتها، حتى ولو لم أخرج من بيتي لأجلها، وأن هواياتي لم تعد ممتعة بسببها (وأنا أحتاج إلى هواياتي لأستمتع بها ولتُذهِب عني التوتر بإذن الله)، واكتشفت بأن التجارة ستشغلني عن عائلتي، وذلك ما كنت أتجنبه منذ البداية!

أدركت أيضاً بأنه من المفترض أن تكون وظيفتي الرئيسية -والتي أحبها وأقدّرها أكثر- هي أن أكون زوجة وأم وربة بيت ناجحة، وفهمت أخيراً مدى أهمية ذلك الدور. وأصبحت أفتخر به، بعد أن كنت أشعر بالعار بسبب نظرة الناس لي على أني “غير طموحة”، لأني لم أكمل دراستي إلى مرحلة الماجستير، أو أبحث عن وظيفة لي.

أدركت أيضاً من خلال المفكرة، أنني مقصرة في ديني كثيراً، فقررت تغيير ذلك، وبدأت بالحرص أكثر على أذكار الصباح والمساء، وصلوات وصوم النافلة، والتصدق بما أملك وما أستطيع التصدق به، بما في ذلك كل تلك الأعمال التي صنعتها لمتجري، لأني شعرت بأن وجودها ثقيل علي، وبأن التصدق بها على من يحتاجها فعلاً سيجعلني أشعر بالسعادة أكثر. أرجو من الله أن يتقبلها.

قررت أيضاً أن أستغل أوقات فراغي لهدف جديد وجدته، وهو أن أفيد الآخرين وأستفيد أنا أيضاً بكتابة هذه المدونة، وأن أجعل وقتي معها لوجه الله تعالى، ثم لخدمة تلك المفكرة التي غيرت مجرى حياتي.

الآن رجعت أستمتع بهواياتي كما كنت من قبل، بل أفضل، وبدأت أحاول أن أتقلل من الدنيا، ليس فقط لمساعدة زوجي، بل وجدت أن ذلك يذهب عني الكثير من التوتر الذي جلبته لي كثرة أغراضي وطلباتي.

مفكرتي الحالية والتي صنعتها بنفسي

هذه هي قصتي.

لم أصارح بها أحداً من قبل، لكني شعرت بأنكم كقراء لمدونتي تستحقون صراحتي معكم، لدعمكم وتشجيعكم المستمر لي. فجزاكم الله خير الجزاء، وأنا ممتنة لله ثم لكم من أعماق قلبي! ♡

لقد مررت بتجارب كثيرة، كنت أشعر بأنها فاشلة وأنها ضياع لحياتي، لكني الآن، بعد التفكر فيها جيداً، واثقة وموقنة بأن الله سبحانه يقودني بها إلى طريق النجاح والفلاح.

لقد وضع ربي فكرة التجارة في رأسي -والتي لم أكن سأستمر عليها- حتى أكتشف بأنني أحتاج إلى مفكرة!

فسبحان الذي وجهني إلى مفكرتي، ومهد لي طريقها، وله الحمد وله الشكر.

وأسأل الله أن ينفعني وإياكم بالمفكرة وبهذه المدونة.

أختكم هدى

14 thoughts on “قصتي مع المفكرة ”

  1. سبحان الله كيف بإمكان شيء بسيط مثل المفكرة أي يغير الكثير بحياة المرء 🙂
    ألهمتني قصتك جداً وشوقتني لمعرفتك أكثر
    أحببت حديثك عن دورك كزوجة وأم وأنك تفخرين به وأحييك بشدة على ذلك 😉

    1. شكرا جزيلا لك على كلماتك الطيبة
      وقد صدقت
      لقد غيرت المفكرة الكثير في حياتي وما زالت تغيرها، وأرجو من الله أن يكون ذلك التغيير للأفضل دائماً
      سعدت كثيرا بمرورك

  2. قبل أن أبدأ بالتنظيم والإهتمام بوقتي ، كُنت أشعر بأن حياتي ممُلة لاتحتاج لتنظيم لأنهُ لايوجد شيء مُهم بِها!
    لكن بعد أن مللت من حياتي ، لم أكُن أفهمني أبداً! لااعرف مالذي أُجيده ومالذي لا أجُيده ، كُنت أقوم بعمل الكثير من الأشياء بعشوائية. بدأت بالتنظيم !! أصبحت أعرف ما أخطائي ومالذي أحتاجه ومالذي أُجيده في حياتي.
    أكتشفت أنني مقصرة جداً إتجاه ديني وعَرفت سلبياتي ، وها أنا أقوم بالتغيير ومازِلت أتغير!
    أشكرك على مشاركتك قصتك معَنا ، إستمتعت في قرآئتها.

  3. Pingback: كنت أستخدم المفكرة دون أن أعلم! – بالمفكرة

  4. منذ زمن وأنا أبحث مواضيعا عن الأجندة والمنظمات وكيفية البدء باستخدامها حتى وجدت صدفة مدونتك ممتنة لك ولمن شجعني وفتح لي المدونة لأدخل الى عالم التدوين والمدونات ❤❤ استمري بعطائك ودمت بسعادة

  5. سبحان الله العلى العظيم.. كأننى أقرأ قصتى بالحرف والكلمة ولكنها كتبت بيد غير يدى وايضا عملى فقد كان بعد ولادة ابنى البكر ب 6 شهور رغبة منى فى العمل وايضا لزيادة دخلنا…جزاك الله خيرا ووفقك دوما لما يرضيه

  6. السلام على من اتبع الهدى،اختي هدى لقد قرأت قصتك باختصار شديد اقول لك انك مررت بمراحل كان ولابد أن تمر بها،فهكذا هي حياتنا منذ ان خلقنا ربنا ومن النقطة الأولى نشكل مسارا فنمر عليه نجد في طريقنا ما نجد فاذا استعنا بالله فلحنا واذا نسيناه نسانا،رب العزة يقول لنا في ما معنى قوله…..اذكروني اذكركم،اشكروني ازدكم………وفقك الله لما يحبه ويرضاه….امين

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *