استشارة المفكرة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن من أصعب الأمور التي نحتاج لفعلها في هذه الدنيا هو اتخاذ القرارات، فالكثير منها تكون محيرة جداً، ويترتب عليها عواقب قد تكون غير محمودة إذا لم نقم باتخاذ القرار الصحيح.

فعلى سبيل المثال: اختيار تخصصنا الجامعي سيقرر -بعد الله- طريقنا في هذه الدنيا، ولو أخطأنا وقمنا باختيار التخصص الخاطئ فقد يكلفنا ذلك الكثير من الوقت والجهد والمال وضياع العمر.

فالكثير من الناس يختار التخصص الخاطئ، ويدرسه لفترة تصل إلى سنة أو سنتين، حتى يطفح الكيل وينفذ صبره ويعترف أخيراً بأن هذا التخصص لا يناسبه أبداً، ثم يحاول بكل جهده تغييره، ويتحسر على عمره الذي ضاع في تخصصه السابق، هذا إذا استطاع تدارك الأمر قبل أن يفوت الأوان لذلك، وقد قابلت الكثير من الناس ممن عانوا من ذلك.

كذلك، مثال آخر: اختيار شريك الحياة، وهذا قرار أصعب، لأنه الشخص الذي نريد قضاء بقية أعمارنا معه، وتكوين أسرتنا وتربية أطفالنا وخوض مصاعب الحياة معه، والاختيار الخاطئ قد يكلفنا الكثير جداً.

كذلك اختيار الوظيفة المناسبة، والسكن المناسب، والمركبة المناسبة… الخ.

كل قرار في هذه الدنيا مهم، ويكون الاختيار أصعب إذا كنا مسؤولين عن اتخاذ قرار ما، ليكون شخص آخر هو من يتحمل نتائج قرارنا.

على سبيل المثال: اختيار اسم للمولود الجديد، فنحن كوالدين علينا أن نتخذ هذا القرار، والمولود المسكين، الذي لا خيار له في هذا الأمر، هو من سيتحمل هذا الاسم الذي يختاره له غيره طوال حياته، هو من سيستخدمه وهو من سيسمعه عندما يُنادَى به، وهو من سيتأذى من هذا الاسم إذا لم يكن اختيار والديه موفقاً.

كل هذا سيجعل مهمة اتخاذ القرارات سواء كانت لنا أو لغيرنا صعبة جداً، وسيجعلنا نتردد كثيراً ونتخبط، وبالتالي سيجلب لنا التوتر والقلق وربما مشاكل نفسية أو جسدية أخرى، وليس ذلك في مصلحتنا أبداً.

وقد تتفاقم المشكلة عندما نستشير الناس، فيبدي لنا كل شخص رأيه، وكل رأي يختلف عن الآخر، وقد يغضب أحدهم لو لم نقم باختيار رأيه وما نصحَنا هو به، فتحدث مشاكل كثيرة نحن في غنى عنها.

بالطبع، كل قرار نتخذه في هذه الدنيا هو من قضاء الله وقدره، وقد يكون خيراً لنا دون أن نشعر بذلك، فتكون له منافع خفية لا تظهر لنا إلا لاحقاً، أو ربما لا تظهر لنا على الإطلاق.

قال تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم” البقرة: 216.

لكن لنتجنب المشاكل النفسية والجسدية والمالية التي قد تحدث لنا من مهمة اتخاذ القرارات، فعلينا أن نأخذ بالأسباب لتساعدنا على اتخاذ القرار الصحيح بدون توتر ولا قلق.

ولا بأس من استشارة ذوي الخبرة، لكن من المهم أيضاً أن نعتمد على الله ثم على أنفسنا في اتخاذ قراراتنا.


أقدم لكم في هذه التدوينة طريقتين مميزتين لاتخاذ القرارات بأنفسنا، بالاستعانة بالله ثم بالمفكرة.

منذ أن بدأت باستخدامها وأنا أشعر بأن حِمل القرارات الثقيلة على كتفي أصبح أخف وأيسر بفضل الله.
بل إنني وجدت أن هذه الطريقة مسلية! وأصبحت أتحمس كلما كان علي أن أتخذ قراراً ما، حتى لو كان صغيراً تافهاً، لأنني أريد أن أستخدم هذه الطريقة في مفكرتي!

أريد التنبيه أولاً إلى أن هذه الطريقة لن تضمن لكم اتخاذ القرار الصائب ١٠٠ %، لكني أرجو أنها ستسهل عليكم الطريق إلى ذلك، وستذهب عنكم بإذن الله تعالى الكثير من التوتر والقلق والتخبط الذي عادة ما يصاحب اتخاذ هذه القرارات.


الطريقة الأولى:

وهي تفيدنا أكثر عندنا نكون أمام خيارات كثيرة متعددة، كاختيار اسم للمولود على سبيل المثال، فنحن عادة ما نجد أنفسنا أمام بحر لا يبدو بأنه سينتهي من الخيارات! لكن علينا أن نختار منها اسماً واحداً فقط، وهذا صعب جداً على الكثير من الناس.

كذلك اختيار أي اسم، سواء كان عنوان لمقالة، أو كتاب، أو موقع، وهكذا.

لتطبيق هذه الطريقة، علينا أن نتبع هذه الخطوات:

١- كتابة الشروط:

بجب أن نكتب شروط اختيار القرار على شكل نقاط، قبل أن نفكر حتى بالخيارات نفسها، كي نعرف ماذا نحتاج وماذا نريد من الاسم الذي نختاره.

ويجب أن نجعل هذه الشروط مكتوبة أمامنا طوال الوقت، حتى تساعدنا على الاختيار.

٢- العصف الذهني:

هذه الخطوة يفضل أن تكون في وقت يكون فيه الذهن صافياً ومتقبلاً لتكوين الأفكار، ويكون قابلاً للإبداع أكثر.

يمكن أن نكتب أفكارنا في صفحة مقابلة، أو نكتبها في نفس الصفحة التي توجد فيها الشروط، حتى تكون أمامنا كدليل لاختيار الاسم، فلا نذهب بعيداً عن مبتغانا.

نكتب كل ما يخطر بذهننا من أفكار لهذه الأسماء، حتى لو كانت هذه الأفكار تبدو سخيفة ولا تعجبنا.

فأحياناً تلك الأفكار السخيفة تكون هي طريقنا للاختيار الصحيح، وتكون هي ما يلهمنا لأفكار عظيمة ورائعة.

٣- اختيار الأفضل:

فنقوم بوضع دائرة حول جميع الخيارات التي توافق الشروط التي كتبناها من قبل كاملة، والتي تناسبنا أكثر.

ثم نحاول أن نختار من بينها ما يعجبنا أكثر. وعادة ما نجد أنفسنا ننجذب لإحداها أكثر من الغير.

٤- الاستخارة:

فبعد أن يتم الاختيار، يجب أن لا ننسى أهم خطوة نفعلها قبل الإقدام على أي قرار، ألا وهي صلاة الاستخارة.

فهي ستجعلنا بإذن الله نطمئن بأن ما اخترناه هو الطريق الصحيح، وهو ما اختاره لنا الله، ومهما حدث بعد ذلك يجب أن لا نشعر بالندم، لأن الخير فيما اختاره لنا الله.

وإذا لم نشعر بذلك الاطمئنان بعد صلاة الاستخارة، أو شعرنا بالخوف والتردد أكثر، فربما من الأفضل أن نعيد النظر في اختيارنا.

وطريقة صلاة الاستخارة سهلة جداً، يمكنكم العثور عليها هنا.

سأعطيكم مثالاً على هذه الطريقة من تجربتي: اختيار اسم لموقعي ومدونتي (بالمفكرة).

فقبل أن أفتتح موقعي، كنت أعرف أنني أريد أن أتحدث فيه عن المفكرات، لكن اختيار الاسم المناسب لها كان صعباً جداً، لذلك اتبعت هذه الطريقة، فكتبت شروط اختيار الاسم لموقعي، وهي:

– ‏أن يرمز الاسم لموضوع الموقع:

فيكون موضوعي الذي أريد التحدث عنه (المفكرة طبعاً وكل ما يتعلق بها) واضحاً من اسم الموقع، فيستطيع الشخص أن يعرف موضوع مدونتي دون أن يتصفحها.

– أن يكون الاسم قصيراً:

فيكون مكون من كلمة واحدة لو أمكن، ولم أرد أن يكون الاسم طويلاً أو مركباً من كلمتين أو أكثر، لأن ذلك سيجعل اسم نطاق الموقع طويلاً جداً، وسيزعجني أثناء كتابته وسيزعج قراء مدونتي، وسيكون صعب التذكر.

– ‏أن يكون الاسم سهلاً للنطق والكتابة وسهل التذكر:

فبعض الأسماء، حتى لو كانت قصيرة، لكنها تكون صعبة النطق وصعبة التذكر، لذلك كان مهماً لي أن اختار اسماً سهلاً.

– أن يناسب أن نكتبه بالإنجليزية:

لأنني إذا كتبت اسم نطاق الموقع، فسوف يكون بالإنجليزية هكذا: bilmufakkirah.

لذلك أردت اسماً يسهل قرائته وكتابته ونطقه بالإنجليزية.

– ‏أن يكون الاسم مميزاً:

فلا يكون مكرراً، لأن ذلك سيتسبب في الاختلاط بين اسم موقعي واسم موقع آخر، وأردت أيضاً أن لا يكون قد استخدم من قبل، فهذا ما سيجعله سهل التذكر.

ثم بعدها بدأت بالعصف الذهني وكتبت كل ما يخطر ببالي من أسماء.

هل تريدون أن تعرفون الأفكار التي خطرت لي قبل أن أختار اسم مدونتي؟

بالأسفل صورة لبعض منها، بعضها سخيفة ومخجلة جداً، ولم تعجبني أبداً، ولكني كتبتها على كل حال، حتى وصلت لاسم مدونتي.

كنت قد كتبت أكثر من صفحة من الأفكار، وقد كانت كثيرة جداً، وهذه بعض منها فقط!

بعدها كما ترون في الصورة اخترت منها ما يوافق شروطي أولاً ووضعته في دائرة، وبعدها اخترت اسم مدونتي، واستخرت وتوكلت على الله، وها هي مدونتي (بالمفكرة) بين أيديكم الآن!


الطريقة الثانية:

وتصلح عندما نحاول الاختيار بين عملين أو مشروعين أو أكثر، أو عندما نتردد في الإقدام على أي أمر، مهما كان صغره.

وطريقته أسهل من السابقة، لأن الخيارات عادة تكون فيه أقل.

١- تقسيم الخيارات:

فنأخذ الخيارات التي علينا أن نختار منها، ونجعلها على أعمدة في مفكراتنا، بحيث يكون كل خيار له عموده الخاص.

٢- تدوين الإيجابيات والسلبيات:

فنكتب تحت كل عمود (على شكل نقاط مختصرة) كل ما يخطر ببالنا من إيجابيات وسلبيات، وما يميز كل خيار عن غيره، وما نتوقعه من عواقب ستحدث بعد اختيار كل خيار.

وإذا كنا لا نعرف، فنقوم بالبحث والسؤال والتعلم من تجارب الآخرين، وكتابة ما تعلمناه على شكل نقاط لكل خيار.

المهم في هذا الأمر أن نحاول قدر الإمكان عدم التحيز لأي من هذه الخيارات.

٣- التقييم:

فنضع نظاماً لتقييم هذه الخيارات.

مثلاً:

علامة ❌ = السلبيات

علامة ✔ = الإيجابيات

أو نقوم بوضع أرقام من ١ إلى ٣، بحيث يكون:

١ = سلبي

٢ = محايد

٣ = إيجابي

وهكذا، ثم نقوم بحساب مجموع الإيجابيات والسلبيات لكل خيار، والخيار الذي يكون مجموع إيجابياته أكبر يكون هو الفائز!

٤- الاستخارة!

بالطبع قبل الإقدام على ما نختاره، يجب أن لا ننسى صلاة الاستخارة!

وهنا سأعطيكم مثالاً آخر على هذه الطريقة من تجربتي، فقد مررت بفترة أثناء رحلتي مع المفكرة، كنت أكتب فيها بكثرة، وأملأ مفكراتي بسرعة، فبدأت أتعب من صناعة المفكرات لنفسي، فتساءلت: هل أستمر في صنعها بنفسي أم أشتري دفتراً جاهزاً وأريح نفسي؟

ترددت في ذلك كثيراً، حتى قمت باستخدام هذه الطريقة، والآن لا يوجد لدي شك بما أفضل فعله!


وأخيراً، من المهم أن نكتب خياراتنا وأن ننظر إليها ونتمعن فيها وهي على الورق، حتى لو كنا نميل إلى اختيار قرار معين.

لأن ذلك ليس فقط يساعدنا على الاختيار، بل أيضاً يساعدنا على تثبيت اختيارنا وقرارنا بعد اختياره، حتى لا نتخبط لاحقاً ونتردد في صحة اختيارنا، ونعرف دوماً سبب اختيارنا له، فنقدره أكثر.

أرجو أن تكون هذه التدوينة قد نفعتكم وأفادتكم في اتخاذكم لقراراتكم، وأن تكون اختياراتكم دوماً موفقة.

وأسأل الله أن يسدد خطاكم ويوفقكم جميعاً لكل خير مما يحبه ويرضاه.

أختكم هدى

3 thoughts on “استشارة المفكرة”

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *